فخر الدين الرازي

95

تفسير الرازي

النوع الثاني : قوله : * ( ولا تشركوا به شيئاً ) * وذلك لأنه تعالى لما أمر بالعبادة بقوله : * ( واعبدوا الله ) * أمر بالاخلاص في العبادة بقوله : * ( ولا تشركوا به شيئاً ) * لأن من عبد مع الله غيره كان مشركا ولا يكون مخلصا ، ولهذا قال تعالى : * ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) * ( البينة : 5 ) . النوع الثالث : قوله : * ( وبالوالدين إحسانا ) * واتفقوا على أن ههنا محذوفا ، والتقدير : وأحسنوا بالوالدين إحسانا كقوله : * ( فضرب الرقاب ) * ( محمد : 4 ) أي فاضربوها ، ويقال : أحسنت بفلان ، وإلى فلان . قال كثير : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدنيا ولا مقلية إن تقلت واعلم أنه تعالى قرن إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع : أحدها : في هذه الآية ، وثانيها : قوله : * ( وقضى ربك أن لا تعبدوا إياه وبالوالدين إحسانا ) * ( الإسراء : 23 ) وثالثها : قوله : * ( أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير ) * ( لقمان : 14 ) وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والاحسان إليهما . ومما يدل على وجوب البر إليهما قوله تعالى : * ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ) * ( الإسراء : 23 ) وقال : * ( ووصينا الانسان بوالديه حسنا ) * وقال في الوالدين الكافرين : * ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ) * ( لقمان : 15 ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : * ( أكبر الكبائر الاشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس ) * وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن استأذنه في الجهاد ، فقال عليه السلام : " هل لك أحد باليمن فقال أبواي فقال : أبواك أذنا لك فقال لا فقال فارجع واستأذنهما فان أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما " . واعلم أن الاحسان إلى الوالدين هو أن يقوم بخدمتهما ، وألا يرفع صوته عليهما ، ولا يخشن في الكلام معهما ، ويسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة من البر ، وأن لا يشهر عليهما سلاحا ، ولا يقتلهما ، قال أبو بكر الرازي : إلا أن يضطر إلى ذلك بأن يخاف أن يقتله أن ترك قتله ، فحينئذ يجوز له قتله ؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك كان قد قتل نفسه بتمكين غيره منه ، وذلك منهي عنه ، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا . النوع الرابع : قوله تعالى : * ( وبذي القربى ) * وهو أمر بصلة الرحم كما ذكر في أول السورة بقوله : * ( والأرحام ) * . واعلم أن الوالدين من الأقارب أيضا ، إلا أن قرابة الولاد لما كانت مخصوصة بكونها أقرب القرابات وكانت مخصوصة بخواص لا تحصل في غيرها ، لا جرم ميزها الله تعالى في الذكر عن سائر الأنواع ، فذكر في هذه الآية قرابة الولاد ، ثم أتبعها بقرابة الرحم .